من الحياة

اذهب الى الأسفل

من الحياة

مُساهمة من طرف عبدالحميد العدّاسي في 04.08.09 19:46

من الحياة






يوم نزلتُ بأرض السودان كان أهلها يعيشون عيشة عسيرة وكانوا مع ذلك موحّدة صفوفهم متّحدة كلمتهم - على الأقلّ - في مجاهدة متمرّدي الجنوب المسندين من طرف الصليبيين البيض، وكانت مواقفهم موسومة بالعزّة والثبات على المبادئ وقد أخذت من عُريِهم وجُوعِهم وفَاقتِهم صلابة لا يفسّرها إلاّ حسن توكّلهم على الله سبحانه وتعالى وطاعتهم له ولرسوله، وكانت بلادهم مفتوحة للمستضعفين (وأغلب هؤلاء من الحركات الإسلامية المضروبة في بلدانهم) ثمّ كان بعد ذلك ما كان - وقدّر الله وماشاء فعل – فقد منّ الله سبحانه وتعالى عليهم باكتشاف خيرات كثيرة ادّخرها لهم في باطن أرضهم وباستخراج بعض منها نهاية التسعينات وبداية الألفية الثانية، فكان ذلك - إلى جانب عوامل أخرى قد يكون موت وجهائهم في طليعتها – سببا في النكوص والتنكّر إلى المبادئ السامية التي كان أرساها فيهم فقرُهُم المعلّمُ لهم الخيرَ... فبدأت الخصومات والاتهامات المتبادلة واستغلال النّفوذ المادي والأدبي (وهو الأنكى والأبشع) على حدّ السواء فكثر سقطُ الكلام وكثر معه الساقطون والمتساقطون وقلّ المخلصون والتبس الحقّ على النّاس فما عادوا يميّزون، وذهبت تلكم الرّيح الفقيرة ليحلّ محلّها الفشل الغنيّ البليد المتبلّد، والمساجد يومئذ تهجّ بالمصلّين والأصوات الملاح فيها تردّد قوله تعالى: "... وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ"...



كان بعضا من الحركة الإسلامية التونسية (النهضة) – وأنا منهم - هناك!... والحقيقة أنّ أهل البلاد – رغم بعض الهنات والمواقف التي قد يقع تفهّمها أو قد تُنسى – أعانوهم على تقبّل أوضاعهم الجديدة الصعبة، فكان لبعض الرّجالات المسلمين الأجلاّء الصادقين أيادي بيضاء عليهم لعلّ أنفسها على الإطلاق تمكين أبنائهم صغارا وكبارا من الدراسة في المدارس والجامعات تحت ظروف يحسدهم عليها الكثير من أهل البلاد أنفسهم!... وقد "ساعدت" صعوبة العيش في السودان – طوعا أو كرها – أبناء الحركة الإسلامية التونسية على أن يكونوا عائلة واحدة متكاتفة مترابطة (إلاّ ما كان من بعض الاستثناءات التي تحفظ ولا تذكر) حتّى لقد كان فرح الواحد فيهم فرحهم جميعا وحزنه حزنهم جميعا وقوته قوتهم جميعا وعيده عيدهم جميعا بل وعرسه عرسهم جميعا!...



كانت حياة طيّبة هنيّة تستمدّ طيبها وهناءها من الفقر والحاجة ولكنّها غير آمنة، فأهل السلطان (وليسوا من السلطة الظاهرة) لم يمكّنوا أبناء الحركة الإسلامية - تونسية أو غيرها - من أوراق إقامة دائمة أو وقتية أو جوازات سفر بأسمائهم الحقيقية تمكّنهم من التنقّل والعمل المفتوح وخلافه، بل كان النّاس في أغلبهم يعيشون بأسماء مستعارة وحتّى بجنسيات مستعارة تحسّبا لاتفاقات وزراء داخلية العرب الحريصين على الأمن في بلاد العرب... وقد كان طبيعيا إذًا أن يفكّر الكثير من النّاس في الهجرة باستعمال وسائل كانت تلقى نجاحا في تلكم الأيّام، ولكن لم يكن منطقيّا أن تجبر الحكومة السودانية أو أطرافها (السلطان) البعض على المغادرة بحجّة إرجاع العلاقات الدبلوماسية مع هذا البلد أو ذاك... ولكنّ بعض الإخوة بعائلاتهم قد أجبروا بداية الألفية على المغادرة، والخير كما يؤمن المؤمنون فيما اختاره الله سبحانه وتعالى...



لعلّ القلم قد ركب العاطفة فشرد بي قليلا، فإنّ ما أردت الحديث عنه من خلال مثال السودان الذي كان عزيزا بفقره ثمّ ذلّ بغناه، هو التطابق النسبي بينه وبين بعض أبناء الحركة الإسلامية التونسية، فإنّ الفقر كان أنفع لهم من الغنى، فقد كانوا متوادّين متعاطفين متراحمين هيّنين ليّنين مؤدّبين حريصين على السمت الإسلامي محترمين لأنفسهم ولإخوانهم ولحركتهم مبغضين لعدوّهم ولمن شرّدهم لمّا كانوا أسماء مستعارة جوعى محاصرين مقطوعين خائفين، وقد صاروا متنابزين متناجشين متحاسدين "متباغضين" متدابرين متناحرين متشاتمين متربّصين ببعضهم البعض راكضين بين يدي عدوّهم يجاملونه ويلاطفونه عاملين معاولهم في ظهور بعضهم بعضا يثخنونها وينزِفونها لمّا صاروا مستقلّين ماديّا آمنين وبأسمائهم الصحيحة ناشطين... ولست بهذا القول أدعو إلى الإفقار أو إلى الخضوع والخنوع والانكماش و"البقاء تحت جبّة الشيخ" كما قد يفكّر البعض، ولكنّي أقرأ تاريخا وقائع ترسّخ عندي وتؤكّد أنّ أغلب التفلّتات من الحركة الإسلامية جاءت أيّام الرّخاء (أعني الرّخاء المادّي) وليس قبله، وهو ما يجعلني إزاء سؤالين: أوّلهما هل تمنع الحاجة صاحبها حقّا من الإدلاء برأيه في مسائل يراها مصيرية وتتوقّف عليها مصلحة البلاد بأسرها إذا كان هو فعلا صاحب مبدإ رسالي وصاحب إيمان يزهّده فيما أيدي النّاس، وهل هي التي عطّلت آراء بعض الإخوة بشأن حركتهم وقيادتها إلى يوم النّاس هذا؟! وثانيهما هل يمكن اتّباع دعوة ساير رافعوها "المفاسد" الشائعة في الجسم منذ سنوات – حسب مزاعمهم – بحكم قربهم إبّانئذ من دوائر القرار، دون أن نسائلهم عن تأخّرهم في الإعلان عن تلكم "المفاسد"، ودون أن نحمّلهم مسؤولية المشاركة فيها إن وجدت! أم أنّ الحاجة القديمة كانت تدعو إلى الصمت بينما الحاجة الجديدة تدعو إلى الإصداع!...



إنّي لشديد الحزن على أوضاعنا وأنا أرى أنّ أناسا - أغرونا بعضنا ببعض - ينتشون من تشرذمنا وتطاول أقلامنا علينا وكثرة السفهاء في مواقع أحدثها إسلاميون للدّفاع عنّا وعن قضايانا، ويتمعّشون (ويا لسخفهم) من استقبالنا بمطارات بلادنا لقطع أرزاقنا وإبطال حجّتنا وتسفيه أقوالنا وتلميع سير الفاسدين والجلاّدين، وللمبالغة في إخفاء المختطفين (رضوان الهمّامي مثالا) والتنكيل بالعائدين من غواتناموا (عبدالله الحاجي وعائلته مثالا) وتعطيل الصالحين في تونس المبتلاة التي زعم الجميع حرصهم على خدمتها فما ادخر الظلمة جهدا في إهانتها وقتل الحياة الكريمة فيها!...



عبدالحميد العدّاسي (الدّانمارك)

عبدالحميد العدّاسي

ذكر
عدد الرسائل : 77
Localisation : Danmark
نقاط : 11
تاريخ التسجيل : 02/04/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: من الحياة

مُساهمة من طرف mohamed في 08.02.11 4:15

متى تعود لارض الوطن يا سيدي الكريم فنحن مشتاقون اليك

_________________
لا إله إلا الله محمد رسول الله
avatar
mohamed
Admin

ذكر
عدد الرسائل : 517
العمر : 28
Localisation : Tunis
نقاط : 10
تاريخ التسجيل : 29/03/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: من الحياة

مُساهمة من طرف عبدالحميد العدّاسي في 20.03.11 21:55

السلام عليك محمّد ورحمة الله وبركاته

وبعد فإنّ ظروفَ معيشية تتعلّق أساسا بانَيّ الأصغرين تحول دوني حاليا ودون التواجد المستمرّ بأرض الوطن الحبيب، غير أنّي قد أزلت بعض أحمال الشوق في المدّة الأخيرة بزيارة خاطفة...

أشكرك أخي الكريم وأسأل الله أن يجمعنا أحبّة على سرر متقابلين... ودمت وأهلك بخير وعافية وستر

عبدالحميد العدّاسي

ذكر
عدد الرسائل : 77
Localisation : Danmark
نقاط : 11
تاريخ التسجيل : 02/04/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى